ابو القاسم عبد الكريم القشيري
151
كتاب المعراج
التي خلقه اللّه عليها . لأنه كان يأتيه في غير ذلك الوقت على صور شتّى . وإنّما شاهده تلك اللّيلة على صورته ، وله ستّمائة جناح ، إذا نشر منها اثنين ستر الخافقين . فتدلّى إليه جبريل . لأنه من علوّ نزل إليه . وقيل : كان ذلك دنوّ كرامة ومنزلة . والفرق كما يكون مرّة بالمكان ، يكون مرّة بالمكانة . فإن قيل : فما معنى قوله : ( فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى ) « 1 » ؟ قيل : منهم من قال كان بينه وبين جبريل ، عليه السّلام ، قاب قوسين . وقيل كان بينه وبين طرف العالم مقدار قوسين : أي لو صحّ أن نخرجك من العالم ، أخرجناك . ولكن نقلناك إلى طرف العالم . لأنه لا بدّ من اختصاصك بالإخبار ، لكونك من حملة الأجسام . وقيل إنّما أراد بهذا تخصيص المنزلة والكرامة . فكما أن من قرب بذاته من ملك زمانه حتى لا يكون بينهما إلّا قدر قوسين ، كان ذلك علامة كرامته . وكذلك نال المصطفى ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، من اللّه تعالى تلك اللّيلة ما فاق به أضرابه وأشكاله . وقيل إنه كان عادة العرب إذا أرادوا تحقيق منزلة وتأكيد ألفة بينهم ، أن يعمد هذا إلى قوسه ، وذلك إلى قوسه ، فيلحق هذا قوسه بقوس صاحبه ، فيكون ، معناه كأنهم قالوا : مالك مالي ، ويدك يدي ، وحكمك حكمي . كذلك المصطفى صلّى اللّه عليه وسلّم ، نال تلك الخصوصيّة في تلك اللّيلة . ثم قال : « أو أدنى » أي بل أدنى . فإن استحقاق الرّتبة ، من اللّه تلك اللّيلة ، فوق استحقاق رتبة الخلق بعضهم من بعض .
--> ( 1 ) - سورة النجم 53 / 9 .